لست أدرى لماذا سرح بالى بعيدا فى قصته ، رغم ان المناسبة لا تتصل مباشرة به ، و لكن قصته طرقت عقلى و قلبى و بعنف ...
إبــــــــراهيـــــــــــــــــــــــــــــــــــم
ذلك الإنسان الرقراق ..
ذلك .. البشر الرسول ...
ذلك القلب النابض ، رقيق الاحساس ..
كنت دائما ما أتساءل : لماذا خصه الله بـ "خليل الرحمن "؟؟
و لم يخطر ببالى ان الاجابة فى اللقب نفسه ، فيكفى رحمته و رقته ، ليرتقى إلى منزلة الخليل ... عليه الصلاة و السلام ..
تستغرقنى قصة سيدنا ابراهيم إلى أبعد الحدود ، و كلما قرأت قصته ، أستشعر ذلك الحبل المتين الذى يربطه بسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ، فلا عجب أبدا أن يرث الحبيب تلك الرحمة من قلب أباه ... و أن يُصطفى حبيبا للرحمن هو الآخر ...
أتعجب كثيرا عندما يستشهد أحدهم بموقف نبى من الانبياء ، فيجيب الطرف الاخر بكل سلاسة : أصل أنا مش نبى عشان أعمل كدا ، أنا بشر ... و لم يدرى ان الله ما بعث الانبياء بشرا إلا حجة عليه و قدوة يقتدى بها فى حياته كلها ، و إلا لبعثهم الله ملائكة !!!
لا أريد أن يأخذ الحديث بعدا آخر ... فأنا أريد الانطلاق فى رحاب ذلك الانسان الرسول ، الذى لاقى مالا يطيقه انسان منا ، و رغم ذلك ، قابل كل قضاء الله بنفس راضية ، فلا عجب و قد أقر الله بذلك عندما وصف قلبه بـ "قلب سليم " ، فهو سليم العقيدة ، سليم المشاعر ، سليم فى كل شئ ...
أتأمل فى قصته فأجد ذلك الفتى الذى نبت فى قلبه حب الله ...
أحب الله بصدق ، حتى أنه غار أن يشرك به فى عبادته ، رأى الله نقاء قلبه ، فأختاره لرسالته ...
فلم يلبث أن جهر بها ، و أخذ ينصح قومه و أولهم أباه .... لتتجلى ملامح ذلك القلب الرقيق فى دعوته لأبيه ،
" إذا قال : يا أبت لم تعبد مالا يسمع و لا يبصر ة لا يغنى عنك شيئا " ؟؟!! ...
يا أبت ... تلك الكلمة التى استشعرها خارجة من أعمق أعماق قلبه ، ثم يدعوه ليعمل عقله ،
فهو لم يسب آلهته رغم علمه بأنها لا تملك نفعا و لا ضرا ، لكنه يريد أن يقتنع ليتبعه عن طيب خاطر ... فلما أبى ...
" يا ابت إنى قد جاءنى من العلم مالم يأتك فأتبعنى أهدك صراطا سويا "
يا أبت .. تخرج للمرة التانية برجاء ، فلقد أتاه الوحى من الله ، فأتبعنى ..
أنا ولدك ، لا أريد لك الاذى ، أريد لك الخير .. سأرشدك إلى طريق النجاة .. فلما أبى ...
" يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا "
يا أبت .. تلك اللوعة التى تحملها نبرات صوته ... إياك و الشيطان ، انك تتبع عدو الله و عدوك ، لا تسلك طريق الهلاك بارادتك ... فلما أبى ...
" يا ابت إنى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا "
يا ابت ... نداء من سدت بوجهه كل الطرق ، فابى إلا أن يبذل آخر محاولاته لعله أن يعى ... إنه الرحمن ، و لكنه شديد العذاب ، و انت علمت الآن انه عدو ، و تتبعه رغم ذلك!!! أتحب أن تصبح وليا لعدو الله ؟؟ ...
فأبى عليه " أراغب أنت عن آلهتى يا إبراهيم " ؟؟ ... تلك الصيحة الهادرة تزلزل كيان إبراهيم ، لا عن خوف ، و لكن عن حب لأبيه .. أوصل به عمى البصيرة أن يدافع عن آلهته هكذا رغم علمه بأنها مجرد حجارة؟؟؟
" لئن لم تنته لأرجمنك و اهجرنى مليا " تهديد ووعيد بالعذاب ... و محاولة لإثنائه عما يدعوه إليه ...
لكن أن يصل الأمر على مساومتى فيمن أحب و أعبد ، فلا ... هنا الفراق ،
و لكن مع ذلك ... يرق قلبه المرهف لأبيه " سلام عليك " .. و الأسى يقطر منها و يدمى قلبه ،
" سأستغفر لك ربى " .. لن أعدم وسيلة لأنقذك بها عما تريد أن تلقى بنفسك فيه ...
" إنه كان بى حفيا " رغم لوعة قلبه ... إلا ان حبه لله اشد ، فهو يعلم أن اختيار الله له ليحمل رسالة هى حفاوة ، رغم صعوبة التكاليف و مشقة الطريق .. إلا إنها حفاوة .. وهو يريد أن يثبت جدارته بتلك الحفاوة ..
" و أدعوا ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا " فهو سدنى و ملاذى ..
ثم يذهب يثبت لهم أنهم خاطئون فيما يتبعون ، فقلبه لا يتحمل رؤية آلهة تعبد دون الله ، كذلك لا يتحمل رؤية قومه يلقون بأنفسهم فى طريق التهلكة ، فحبه لهم و خوفه عليهم أملى عليه أن يهدم تلك الآلهة ثم ليترك معول الهدم على كتف أكبرهم ، ليعترفوا هم انفسهم انهم خاطئين ، و لكن كبر النفس أبى عليهم إلا الرفض ... بل و تعذيبه ، فكيف جرؤ على هدم آلهتهم !!...
فتأتى تلك المعجزة التى ثبتت إبراهيم ، و أثبتت لقومه أنه على الحق ، و لكنه الكبر مرة أخرى ، ليخرج إبراهيم من النار ، و يعتزل قومه ليهاجر بعيدا بعيدا ...
ثم ليبدأ مرحلة أخرى من البحث و التأمل و التفكر فى ملكوت السماوات و الأرض ، ليتثبت أكثر و أكثر أن الله خالق كل شئ ،و أن بيده الأمر كله ، و ليزداد حبا لخالقه ...
و تستمر الحياة ليتزوج إبراهيم من سارة، و يرحل معها ، ليبتليه الله بملك مصر الذى أراد أن يأخذ زوجته ، فما كان منه إلا أن لجأ إلى ملاذه ، يوكل إليه أمره ، ليسيره كيفما أراد ...
ليكون الخير فيما رآه شرا ، فلولا ذلك ماعادت سارة بهاجر ، ليستولدها ابراهيم فتأتيه باسماعيل بعد 86 عاما قضاها إبراهيم يشتاق إلى ولد يحمل اسمه ، و يورثه علمه عن ربه ليظل يعبد على الأرض ...
و تأتى البشرى ، و تلد هاجر اسماعيل ليطير القلب الرقيق مع تلك الهدية التى طال انتظارها ، يا الله ، كم انت رحيم لحال عبدك ...
أتخيل حاله و قد رسم الآمال و الاحلام على ولده ، فغدا يبدأ بتعليمه كل شئ ، ثم .....
ثم نكمل فى البوست القادم إن شاء الله ،عشان عارفة إنى طولت عليكم
سلام ... و لا تنسونى من دعواتكم


